فخر الدين الرازي
267
تفسير الرازي
يقولون في أنفسهم : إنه لو كان رسولاً فلم لا يعذبنا الله بهذا الاستخفاف . ثم قال تعالى : * ( حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ) * والمعنى أن تقدم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة ، أو بحسب المصلحة ، فإذا لم يقتض المشيئة تقديم العذاب ، ولم يقتض الصلاح أيضاً ذلك ، فالعذاب في القيامة كافيهم في الردع عما هم عليه . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ باِلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) * . قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى ) * . اعلم أن المخاطبين بقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * قولين ، وذلك لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم : * ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ) * ( المجادلة : 8 ) على اليهود حملنا في هذه الآية قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * على المنافقين ، أي يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ، وإن حملنا ذلك على جميع الكفار من اليهود والمنافقين ، حملنا هذا على المؤمنين ، وذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم ، فقال : * ( فلا تتناجوا بالإثم ) * وهو ما يقبح مما يخصهم * ( والعدوان ) * وهو يؤدي إلى ظلم الغير * ( ومعصية الرسول ) * وهو ما يكون خلافاً عليه ، وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان وبالتقوى وهو ما يتقي به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي ، واعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت : مناجاتهم ، لأن ما يدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره ، وذلك يقرب من قوله : * ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) * ( النساء : 114 ) وأيضاً فمتى عرفت طريقة الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد . ثم قال تعالى : * ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) * أي إلى حيث يحاسب ويجازي وإلا فالمكان لا يجوز على الله تعالى . * ( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) * . قوله تعالى : * ( إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ) * الألف واللام في لفظ * ( النجوى ) * لا يمكن أن يكون للاستغراق ، لأن في النجوى ما يكون من الله ولله ، بل المراد منه المعهود السابق وهو النجوى بالإثم والعدوان ، والمعنى أن الشيطان يحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التي